 |
خدر شنكالى : الايزدية ... والبحث عن الهوية
|
الايزدية ... والبحث عن الهوية لاشك ان هوية أي انسان تعبر عن فكره وثقافته ونمط حياته أي اسلوب حياته الاجتماعية ، وبالتعرف على هذه المكونات او العناصر الثلاثة يمكن تشخيص او تحديد هوية الانسان . وكلما كان الانسان مستقر في افكاره وثقافته واسلوب حياته ، كلما نستطيع القول بان له هوية ثابته ، وبمعنى آخر كلما كان له هويه ثابته كلما كانت مواقفه ثابته ، لان الانسان يستمد قوة موقفه من قوة وثبات هويته ، والعكس من ذلك كلما كانت افكاره وثقافته واسلوب حياته مهزوزة وغير واضحة كلما ادى ذلك الى ضياع او فقدان الهوية . اذن الهوية هي ، فكر ، ثقافة ، واسلوب حياة ، وهناك صلة او علاقة وثيقة بينهما وكل منهما يساهم بشكل او بآخر في تكوين هوية الانسان . نعم نستطيع القول بان للانسان هوية ثقافية او هوية اجتماعية او هوية فكرية ، ولكن هذه بمجملها تشكل الهوية الاساسية للانسان تلك الهوية التي تعبر عن ارادته وحريته ومواقفه وتطلعاته المستقبلية . والايزدية ، باعتبارها جزء من هذا العالم الذي اصبح قرية صغيرة ( كما يقال دائما ) بفعل التقدم والتطور التكنولوجي المتمثل في الفضائيات والانترنيت والنقال وغيرها ، لابد لها ان تتأثر وتؤثر في هذا التطور وتتفاعل معه كباقي المجتمعات ، لان هذا التفاعل اصبح اليوم امرا حتميا وضرورة من ضرورات العلم والمعرفة ، وفي خضم هذه التطورات ،على الايزدية ان تحدد هويتها اولاً ، وعلى اساسها تستطيع ان تحدد موقعها في هذا العالم بشكل عام وفي العراق بشكل خاص وكوردستان بصورة اخص ، وعلى ضوء ذلك تستطيع رسم صورتها المستقبلية وما تتمتع بها من حقوق وواجيات . والهوية لاتمنح ولاتوهب وانما هناك جملة من المعايير او العوامل التي على اساسها يمكن ان نحدد هوية الايزديين : 1- العامل الفكري : تعتبر الايزدية من الديانات القديمة جدا ، وفي بداية نشوءها او تكوين الفكر الديني لديها ، كان الايزديون يقدسون الظواهر الطبيعية ويحترمونها نظرا لعظمة هذه الظواهر ودورها الفاعل في الكون وكذلك عدم معرفتهم بمصدر هذه الظواهر ، كالشمس والقمر والنجوم والمطر والرياح وغيرها , وفي فترة لاحقة فقد تطور الفكر الديني لديهم وخاصة بعد ظهور النبي ابراهيم الخليل الذي دعاهم الى التوحيد وعبادة خالق هذه الظواهر والكون جميعا وهو الله سبحانه وتعالى . وفي فترة لاحقة وبعيدة ايضا وبعد ظهور الديانات السماوية ( حسب اعتقاد معتنقبها ) فقد دخل الكثير من الايزدية الى هذه الديانات بالقوة او الاكراه ، وقد شهدت الايزدية فترة اظطهاد طويلة وتعرض الى الكثير من الظلم مما ادى بهم الى كتمان اسرارهم وتعاليمهم الدينية وحفظها في الصدور خوفا من تحريفها من قبل الغير كما تعرض كتبهم الدينية الاصلية الى السلب والنهب والتلف ولحد الآن لم تعثر الايزدية على تلك الكتب ، مما ادى ذلك بالنتيجة الى اختلاف كبير واتجاهات فكرية عديدة بين الايزدية انفسهم ، واخذ كل منهم يفسر هذا الفكر بطريقة معينة وحسب ما تلقاه او توارثه من اباءه واجداده او من بعض رجال الدين الذين نادرا ما يتفقون على تفسير معين . وهنا لست بصدد البحث عن تاريخ الايزدية ، وانما اريد ان ابين بان العامل الفكري له دور كبير في تحديد هوية الايزديين ، واذا كان من الصعب في الماضي على الايزدية ان تقوم بتدوين وجمع تعاليمها ونصوصها الدينية الصحيحة في كتب خاصة لظروف تاريخية وسياسية معينة ، الا ان تلك الظروف قد زالت الآن وحان الوقت لجمع تلك النصوص لتعريف العالم من خلالها بهذه الديانة العريقة ولاظهارالصورة الحقيقية المشرقة للديانة الايزدية . 2- العامل الاجتماعي : ان العامل الاجتماعي له علاقة وثيقة بالعامل الفكري في تحديد هوية الايزديين ولايمكن الفصل بينهما ، وذلك لما لهذا الفكر من تأثير كبير على العادات والتقاليد السائدة في المجتمع الايزدي ، فكلما كان هذا الفكر واضحا وحقيقيا ومتقدما ومنسجما مع الواقع الاجتماعي ، كلما ادى ذلك الى قبوله لدى المجتمع . فالمجتمع بتناقضاته وصراعاته ما هي الا ترجمة لهذه الافكار ، وان لهذه الاخيرة دور وتأثير كبير على تغيير المفاهيم الموجودة في المجتمع وبالتالي تغيير او تجديد العادات والتقاليد الموجودة نحو التقدم والتطور. ولايخفى بان الفكر الديني له تأثير كبير على واقع المجتمع الايزدي , ولاننكر لما لهذا الفكر من اهمية في تغيير الواقع الاجتماعي الايزدي نحو التقدم والتطور اذا ماتم استخدامه بشكل عقلاني ومنطقي وتبعا للتغيرات والتطورات الحاصلة في هذا العالم الذي نحن جزءا منه . ولايخفى ايضا ان المجتمع الايزدي هو مجتمع عشائري وطبقي ، حيث يلعب الخطاب الديني دورا كبيرا في حياته اليومية ، وان اغلب العادات والتقاليد الموجودة هي موروثة ولا تزال تعشعش في جسم المجتمع الايزدي ، وان الكثير منها لاتخدم وواقع هذا المجتمع ( ولايمكن مخالفتها طبعا ودون معرفة الاسباب ! ) ، وذلك لربطها بمسائل دينية لااساس لها من الصحة . ان المشكلة هنا تكمن في ان الايزدية تختلط وبشكل كبير جدا بين الدين وبين العادات والتقاليد وبناءا على فكرة ( ان الدين هو شيء مقدس وكل ما يخالفه هو مدنس ) ، وهذا خطأ كبير يؤدي الى عدم فهم الهوية الايزدية ، لان الدين وان كان لايمكن تغيره او تغير مفاهيمه ! فان العادات والتقاليد معرضة للتغير دائما ، ولكي لانضيع في متاهات عدم المفهومية ، فان الهوية الاجتماعية التي تعتبر الجانب الرئيسي للهوية الاساسية للايزديين ، هي عبارة عن جملة من الخصائص تمثل بالعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية الموجودة ، فكلما كانت هذه الاخيرة مفهومة وواضحة وواقعية ومنطقية ، كلما ادى ذلك الى قبولها لدى المجتمع وباتالي تؤدي الى تماسكه أي تماسك المجتمع وهذا هو سر قوته ، وكلما كان المجتمع متماسكا وقويا كلما كان باستطاعته ان يدافع عن ذاته ويطالب بحقوقه الاجتماعية والثقافية والسياسية ، والعكس من ذلك صحيح ايضا . وهنا لابد من الاشارة الى مسألة مهمة جدا وهي ان الايزدية وبحكم تعرضها الى الكثير من الظلم والاضطهاد ، فقد اثر ذلك بشكل مباشر او غير مباشر على الهوية الاجتماعية للايزديين وذلك بفعل ادخال الكثير من العادات والتقاليد والاساطير التي ليست لها علاقة بالايزدية الى داخل المجتمع الايزدي ، مما ادى ذلك الى ايضا الى صعوبة تحديد هذه الهوية . اذن وامام كل هذا علينا ان نفهم حقيقة الواقع الذي نعيش فيه اليوم ومدى حاجتنا الملحة الى التماسك والقوة لاننا احوج ما نكون اليوم الى تحديد الهوية الحقيقية للايزديين . 3- العامل الثقافي : نستطيع القول بان الثقافة ( او الهوية الثقافية ) هي عبارة عن النسيج الفكري والاجتماعي لاي مجتمع . والهوية الثقافية قد تكون اكثر عرضة للتفاعل مع الحضارات والثقافات الاخرى ، لذا قد نجد صعوبة في تحديد الهوية الثقافية للايزديين والحفاظ عليها في ظل العولمة والتطور والتقدم الحاصل في العالم واصبح التفاعل وتبادل الخبرات والتجارب مع بعضهم البعض امرا لامفر منه . لذا يجب علينا ان نعرف كيف نتعامل مع هذا التطور بدلا من ان يفرض علينا ، وان هذا التعامل لايعني فقداننا لهويتنا وانما عدم التفاعل ورفض الاعتراف بالتجدد والتغيير سوف يؤدي بنا اكثر الى التخلف ، لان الثقافة التي لاتتحاور ولا تتفاعل ستكون بعيدة عن التطور والابداع . فاننا كايزديين علينا ان نعمل من اجل ابراز هذا الجانب المهم من هويتنا الاساسية ، وكلنا مسؤولون عن لعب هذا الدور ولاشك ان العبء الاكبر يقع على عاتق المثقفين والمؤسسات الثقافية وحث المجتمع على الاهتمام بالجانب العلمي والثقافي مع ضرورة الاطلاع على الثقافات والحضارات الاخرى وسبل الاستفادة منها بما يخدم واقع مجتمعنا الايزدي . وقبل ان ننتهي ، اود هنا الاشارة الى موضوع مهم وحيوي وهو قانون الاحوال الشخصية الذي تم اعداده واكماله من قبل بعض السادة الحقوقيين والمحامين ( وكاتب هذا المقال واحد منهم ) بعد بذل جهد كبير من اجل خدمة الايزدياتي ، الا ان هذا المشروع لم يرى النور لحد الآن رغم الاجتماعات الكثيرة التي عقدت لمناقشته وبحضور الكثير من الشخصيات المتنفذة في المجتمع الايزدي من بينهم سيادة الامير وسماحة البابا شيخ والسيد الوزير دخيل شيخ سعيد عندما كان وزيرا في حكومة الاقليم والسيد خيري بوزاني مدير عام للشؤون الايزدية في وزارة الاوقاف وغيرهم ( وقد حضرت شخصيا عدد من هذه الاجتماعات ) ، وباعتقادي يرجع سبب عدم اكمال هذا المشروع المهم لحد الآن الى بعض الخلافات الدينية او الافكار الدينية المختلفة او بمعنى آخر التفسيرات المختلفة لهذه الافكار مع خشية عدم قبول هذا المشروع من قبل المجتمع الايزدي نظرا لفقدان الثقة بين المراجع الدينية والاجتماعية وحتى السياسية الايزدية وبين الايزديين انفسهم ، وترجع هذه الاخيرة ايضا الى عدم وجود تواصل مستمر او تفاهم مشترك بين الاثنين ، يضاف الى ذلك تفضبل المصالح الشخصية على المصلحة العامة العليا للايزدياتي . وبالتأكيد لو كان هذا المشروع قد تم اكماله وتصديقه من قبل البرلمان العراقي او البرلمان الكوردستاني ، لكان يعتبر انجازا عظيما ومكسبا تاريخيا وخطوة مهمة وكبيرة لتعريف العالم بالايزدياتي وهو يعبر بحد ذاته على الهوية التي نحن بصددها .
خدر شنكالى في 6 / 6 / 2010 سنون
| | |
|
المواضيع المرتبطة
 |
|
|